تنسيق الخط:    (إخفاء التشكيل)
متن:
وَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ فِي الْوُجُودِ مَا هُوَ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَمَا هُوَ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ : فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذَا مِثْلَ وُجُودِ هَذَا بَلْ وُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ وَوُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ وَاتِّفَاقُهُمَا فِي اسْمٍ عَامٍّ : لَا يَقْتَضِي تَمَاثُلَهُمَا فِي مُسَمَّى ذَلِكَ الِاسْمِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ . فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إذَا قِيلَ أَنَّ الْعَرْشَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ وَأَنَّ الْبَعُوضَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ : إنَّ هَذَا مِثْلَ هَذَا ; لِاتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى الشَّيْءِ وَالْوُجُودِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ غَيْرُهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ بَلْ الذِّهْنُ يَأْخُذُ مَعْنًى مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا هُوَ مُسَمَّى الِاسْمِ الْمُطْلَقِ وَإِذَا قِيلَ هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ : فَوُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا يَخُصُّهُ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; مَعَ أَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ بِأَسْمَاءِ وَسَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءِ ; وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ مُخْتَصَّةً بِهِ إذَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ وَسَمَّى بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِأَسْمَاءِ مُخْتَصَّةٍ بِهِمْ مُضَافَةٍ إلَيْهِمْ تُوَافِقُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ إذَا قُطِعَتْ عَنْ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ ; وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ اتِّفَاقِ الِاسْمَيْنِ وَتَمَاثُلِ مُسَمَّاهُمَا وَاتِّحَادِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّجْرِيدِ عَنْ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ : اتِّفَاقُهُمَا وَلَا تَمَاثُلَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَّحِدَ مُسَمَّاهُمَا عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ . فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ حَيًّا فَقَالَ : { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ حَيًّا ; فَقَالَ : { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } وَلَيْسَ هَذَا الْحَيُّ مِثْلَ هَذَا الْحَيِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْحَيَّ اسْمٌ لِلَّهِ مُخْتَصٌّ بِهِ وَقَوْلَهُ : { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } اسْمٌ لِلْحَيِّ الْمَخْلُوقِ مُخْتَصٌّ بِهِ وَإِنَّمَا يَتَّفِقَانِ إذَا أُطْلِقَا وَجُرِّدَا عَنْ التَّخْصِيصِ ; وَلَكِنْ لَيْسَ لِلْمُطْلَقِ مُسَمًّى مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَلَكِنَّ الْعَقْلَ يَفْهَمُ مِنْ الْمُطْلَقِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ وَعِنْدَ الِاخْتِصَاصِ يُقَيِّدُ ذَلِكَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْخَالِقُ عَنْ الْمَخْلُوقِ وَالْمَخْلُوقُ عَنْ الْخَالِقِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا فِي جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ يُفْهَمُ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ بِالْمُوَاطَأَةِ وَالِاتِّفَاقِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ وَالِاخْتِصَاصِ : الْمَانِعَةُ مِنْ مُشَارَكَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ عَلِيمًا فَقَالَ : { وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } يَعْنِي إسْحَاقَ وَسَمَّى آخَرَ حَلِيمًا فَقَالَ : { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } يَعْنِي إسْمَاعِيلَ وَلَيْسَ الْعَلِيمُ كَالْعَلِيمِ وَلَا الْحَلِيمُ كَالْحَلِيمِ وَسَمَّى نَفْسَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا فَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا فَقَالَ : { إنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } وَلَيْسَ السَّمِيعُ كَالسَّمِيعِ وَلَا الْبَصِيرُ كَالْبَصِيرِ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ . فَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ فَقَالَ : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } وَلَيْسَ الرَّءُوفُ كَالرَّءُوفِ وَلَا الرَّحِيمُ كَالرَّحِيمِ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْمَلِكِ . فَقَالَ : { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ } وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْمَلِكِ فَقَالَ { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ } وَلَيْسَ الْمَلِكُ كَالْمَلِكِ . وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْمُؤْمِنِ فَقَالَ : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُ كَالْمُؤْمِنِ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِالْعَزِيزِ فَقَالَ : { الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ } وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ بِالْعَزِيزِ فَقَالَ : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ } وَلَيْسَ الْعَزِيزُ كَالْعَزِيزِ وَسَمَّى نَفْسَهُ الْجَبَّارَ الْمُتَكَبِّرَ وَسَمَّى بَعْضَ خَلْقِهِ بِالْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ قَالَ : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } وَلَيْسَ الْجَبَّارُ كَالْجَبَّارِ وَلَا الْمُتَكَبِّرُ كَالْمُتَكَبِّرِ وَنَظَائِرُ هَذَا مُتَعَدِّدَةٌ وَكَذَلِكَ سَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءِ وَسَمَّى صِفَاتِ عِبَادِهِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ : { وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ } { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } وَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } وَقَالَ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } وَسَمَّى صِفَةَ الْمَخْلُوقِ عِلْمًا وَقُوَّةً فَقَالَ : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا } وَقَالَ : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } وَقَالَ : { فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } وَقَالَ : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً } وَقَالَ : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ } وَقَالَ : { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } أَيْ بِقُوَّةِ وَقَالَ : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ } أَيْ ذَا الْقُوَّةِ وَلَيْسَ الْعِلْمُ كَالْعِلْمِ وَلَا الْقُوَّةُ كَالْقُوَّةِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْمَشِيئَةِ فَقَالَ : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } وَقَالَ : { إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ } { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا } { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْإِرَادَةِ وَعَبْدَهُ بِالْإِرَادَةِ فَقَالَ : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْمَحَبَّةِ فَقَالَ : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وَقَالَ : { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالرِّضَا وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالرِّضَا فَقَالَ : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَيْسَتْ مِثْلَ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ وَلَا إرَادَتَهُ مِثْلَ إرَادَتِهِ وَلَا مَحَبَّتَهُ مِثْلَ مَحَبَّتِهِ وَلَا رِضَاهُ مِثْلَ رِضَاهُ وَكَذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يَمْقُتُ الْكُفَّارَ وَوَصَفَهُمْ بِالْمَقْتِ فَقَالَ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إذْ تُدْعَوْنَ إلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } وَلَيْسَ الْمَقْتُ مِثْلَ الْمَقْتِ وَهَكَذَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَكْرِ وَالْكَيْدِ كَمَا وَصَفَ عَبْدَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ } وَقَالَ { إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا } { وَأَكِيدُ كَيْدًا } وَلَيْسَ الْمَكْرُ كَالْمَكْرِ وَلَا الْكَيْدُ كَالْكَيْدِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ فَقَالَ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْعَمَلِ فَقَالَ { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وَلَيْسَ الْعَمَلُ كَالْعَمَلِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمُنَادَاةِ وَالْمُنَاجَاةِ فَقَالَ : { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } وَقَالَ : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } وَقَالَ : { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } وَوَصَفَ عِبَادَهُ بِالْمُنَادَاةِ وَالْمُنَاجَاةِ فَقَالَ : { إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } وَقَالَ : { إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ } وَقَالَ : { إذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } وَلَيْسَ الْمُنَادَاةُ وَلَا الْمُنَاجَاةُ كَالْمُنَاجَاةِ وَالْمُنَادَاةِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّكْلِيمِ فِي قَوْلِهِ : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } وَقَوْلِهِ : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } وَقَوْلِهِ : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالتَّكْلِيمِ فِي قَوْلِهِ : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } وَلَيْسَ التَّكْلِيمُ كَالتَّكْلِيمِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّنْبِئَةِ وَوَصَفَ بَعْضَ الْخَلْقِ بِالتَّنْبِئَةِ فَقَالَ : { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } وَلَيْسَ الْإِنْبَاءُ كَالْإِنْبَاءِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّعْلِيمِ وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالتَّعْلِيمِ فَقَالَ : { الرَّحْمَنِ } { عَلَّمَ الْقُرْآنَ } { خَلَقَ الْإِنْسَانَ } { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } وَقَالَ : { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } وَقَالَ : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } وَلَيْسَ التَّعْلِيمُ كَالتَّعْلِيمِ وَهَكَذَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْغَضَبِ فَقَالَ : { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ } وَوَصَفَ عَبْدَهُ بِالْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } وَلَيْسَ الْغَضَبُ كَالْغَضَبِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي سَبْعِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَوَصَفَ بَعْضَ خَلْقِهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى غَيْرِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } وَقَوْلِهِ : { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ } وَقَوْلِهِ : { وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ } وَلَيْسَ الِاسْتِوَاءُ كَالِاسْتِوَاءِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِبَسْطِ الْيَدَيْنِ فَقَالَ : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } وَوَصَفَ بَعْضَ خَلْقِهِ بِبَسْطِ الْيَدِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } وَلَيْسَ الْيَدُ كَالْيَدِ وَلَا الْبَسْطُ كَالْبَسْطِ ; وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْبَسْطِ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ : فَلَيْسَ إعْطَاءُ اللَّهِ كَإِعْطَاءِ خَلْقِهِ وَلَا جُودُهُ كَجُودِهِمْ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ . فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَنَفْيِ مُمَاثَلَتِهِ بِخَلْقِهِ فَمَنْ قَالَ : لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ وَلَا قُوَّةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا كَلَامٌ وَلَا يُحِبُّ وَلَا يَرْضَى وَلَا نَادَى وَلَا نَاجَى وَلَا اسْتَوَى : كَانَ مُعَطِّلًا جَاحِدًا مُمَثِّلًا لِلَّهِ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْجَمَادَاتِ وَمَنْ قَالَ لَهُ عِلْمٌ كَعِلْمِي أَوْ قُوَّةٌ كَقُوَّتِي أَوْ حُبٌّ كَحُبِّي أَوْ رِضَاءٌ كَرِضَايَ أَوْ يَدَانِ كيداي أَوْ اسْتِوَاءٌ كَاسْتِوَائِي كَانَ مُشَبِّهًا مُمَثِّلًا لِلَّهِ بِالْحَيَوَانَاتِ ; بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتٍ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهٍ بِلَا تَعْطِيلٍ وَيَتَبَيَّنُ هَذَا ( بِأَصْلَيْنِ شَرِيفَيْنِ ) وَمَثَلَيْنِ مَضْرُوبَيْنِ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - . وَ ( بِخَاتِمَةٍ جَامِعَةٍ )