تنسيق الخط:    (إخفاء التشكيل)
متن:
وَقَدْ تَأَمَّلْت مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَتَبَايَنُ فِيهَا النِّزَاعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا حَتَّى تَصِيرَ مُشَابِهَةً لِمَسَائِلِ الْأَهْوَاءِ ; وَمَا يَتَعَصَّبُ لَهُ الطَّوَائِفُ مِنْ الْأَقْوَالِ ; كَمَسَائِلِ الطَّرَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ; وَغَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ : فَوَجَدْت كَثِيرًا مِنْهَا يَعُودُ الصَّوَابُ فِيهِ إلَى الْوَسَطِ ; كَمَسْأَلَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَمَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ ; وَإِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ ; وَالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ; وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ; وَمَسْأَلَةِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ وَتَبْيِيتِهَا ; وَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ وَمَسَائِلِ الشَّرِكَةِ : كَشَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُفَاوَضَةِ وَمَسْأَلَةِ صِفَةِ الْقَاضِي . وَكَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُسَمَّى مَسَائِلَ الْأُصُولِ : أَوْ أُصُولَ الدِّينِ ; أَوْ أُصُولَ الْكَلَامِ ; يَقَعُ [ فِيهَا ] اتِّبَاعُ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ . وَقَدْ قَرَّرْنَا أَيْضًا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ; وَبَيْنَ الْمُنَافِقِ الزِّنْدِيقِ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عُفِيَ لَهُمْ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ثُمَّ غَالِبُ الْخِلَافِ الْمُتَبَايِنِ فِيهَا يَعُودُ الْحَقُّ فِيهِ إلَى الْقَوْلِ الْوَسَطِ فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ ; وَمَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْعَدْلِ ; وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ ; وَمَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ . وَمَسَائِلِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ; وَمَسَائِلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَمَذَاهِبِهِمْ أَوْ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ; فَأَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالِامْتِنَاعِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْفِتَنِ . وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ . وَأَيْضًا فَعُمْدَةُ الْقِيَاسِ فِي مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَجِبُ فِيهَا التَّرْتِيبُ ; فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ . وَتَجِبُ فِيهَا الْمُوَالَاةُ ; فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِمَا يُنَافِيهَا ; وَالصَّلَاةُ مَعَ هَذَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَّصِلَةُ الْأَجْزَاءِ ; لَيْسَ بَيْنَ أَجْزَائِهَا فَصْلٌ أَصْلًا حَتَّى يُمْكِنَ فِي ذَلِكَ الْمُتَابَعَةُ أَوْ التَّفْرِيقُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِعُذْرِ كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ لِضَرُورَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَةٍ تَذْهَبُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ; فَإِذَا صَلَّتْ الثَّانِيَةَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ذَهَبَتْ أَيْضًا إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُولَى إلَى مَوْقِفِهَا فَأَتَمَّتْ الصَّلَاةَ ثُمَّ الثَّانِيَةَ } وَالصِّفَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَهِيَ جَائِزَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْمُخْتَارَةُ فِي الْخَوْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; إذْ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِصَلَاةِ الْأَمْنِ إلَّا فِي اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ ; وَهَذَانِ يَجُوزَانِ لِلْعُذْرِ كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ ; فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ - كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ; وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ - يَقُولُ : إنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامِ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ وَهَذَا مَأْثُورٌ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَفِيهِ حَدِيثَانِ مُرْسَلَانِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرْسَلُ إذَا عَمِلَ بِهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ يَحْتَجُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ . وَأَيْضًا فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ سَاهِيًا - كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ; وَفَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ إلَى الْخَشَبَةِ وَالِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا ; وَتَشْبِيكِ أَصَابِعِهِ ; وَوَضْعِ خَدِّهِ عَلَيْهَا ; وَالْكَلَامِ مِنْهُ وَمِنْ الْمُنَبِّهِ لَهُ السَّائِلِ لَهُ الْمُخْبِرِ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ ; وَالْمُجِيبِينَ لَهُ الْمُوَافِقِينَ لِلْمُنَبِّهِ - ثُمَّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ : لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّفْرِيقُ وَالْفَصْلُ مَانِعًا مِنْ الْإِتْمَامِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِلَا نِزَاعٍ فَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ إلَّا مُتَّصِلَةً لَا يَسْتَوِي تَفْرِيقُهَا فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ : فَكَيْفَ يَسْتَوِي تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ ؟ مَعَ أَنَّ الْوُضُوءَ أَفْعَالٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا يَجِبُ اتِّصَالُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : إذَا عَمِلَ عَمَلًا كَثِيرًا لِعُذْرِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ; وَالسَّاهِي إذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ حِينَئِذٍ الْحَدِيثَ أَوْ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ ; أَوْ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ : بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَرْكًا لِلْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ : بَلْ هَذَا مِنْ أَوْكَدِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَالْفَصْلَ الطَّوِيلَ الْمَعْفُوَّ لَهُ عَنْهُ - مِثْلُ الذَّهَابِ إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى مَوْقِفِهِ وَمِثْلَ قِيَامِ الْمُسَلِّمِ سَهْوًا إلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَاتِّكَائِهِ عَلَيْهِ - لَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَلَا الْمُسْتَحَبَّةِ وَلَا دَاخِلًا فِي ذَلِكَ كَمَا يَدْخُلُ مَا يَدْخُلُ فِي تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أَطَالَهَا أَوْ أَدْخَلَ فِيهَا مَا لَا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ : لَمْ يَمْنَعْ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ . وَأَمَّا تِلْكَ فَلَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أُمِرَ الْمُصَلِّي بِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِأَجْلِ الْجِهَادِ وَغُفِرَ لَهُ عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ لِأَنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فَصَارَ الْفَصْلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الْمُتَابِعِ تَارَةً بِفِعْلِ يُوجِبُ تَغْيِيرَهَا وَتَارَةً بِفِعْلِ لَا جُنَاحَ عَلَى فَاعِلِهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِتَرْكِهِ يُشْبِهُهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّيَامِ الْمُتَتَابِعِ : تَارَةً بِصَوْمِ أَوْ فِطْرٍ وَاجِبٍ وَتَارَةً بِحَيْضِ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ الصَّوْمِ . وَلِهَذَا طَرَدَ أَحْمَد ذَلِكَ ; وَلَوْ وَقَعَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالِاتِّفَاقِ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى أَنْ لَا يُسَوَّى بَيْنَ تَفْرِيقِهِ لِعُذْرِ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ . وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّلَاةَ إلَّا بِمَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِ فَإِذَا أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا - مِنْ كَلَامٍ عَمْدٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ ; أَوْ اسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ - كَانَ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهَا بِمَا يُنَافِيهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ; فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ ; كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ عَمْدًا ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بَلْ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَوْ سَلَّمَ سَهْوًا بَنَى عَلَى الْأَوَّلِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَزَائِدٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إلَّا قَطْعُ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوِتْرِ بِثَلَاثِ مُتَّصِلَةٍ وَثَلَاثٍ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ : إلَّا بِمُجَرَّدِ الْفَصْلِ ؟ وَلِهَذَا يَقُولُونَ : يُفْصَلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ بِتَسْلِيمَةٍ ; أَوْ لَا يُفْصَلُ بِتَسْلِيمَةٍ . فَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ الْفَصْلَ كَالْمَغْرِبِ . وَيَجْعَلُ وَتْرَ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ إلَّا كَوِتْرِ النَّهَارِ مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ . وَمِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ مَنْ لَا يُسَوِّغُ إلَّا الْفَصْلَ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِرَكْعَةِ } . وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَخْتَارُونَ الْفَصْلَ لِصِحَّةِ الْآثَارِ وَكَثْرَتِهَا بِهِ وَإِنْ جَوَّزُوا الْوَصْلَ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ بَيْنَ صُورَتَيْ الْوِتْرِ فَرْقًا : إلَّا كَوْنَ هَذَا مُتَّصِلًا وَهَذَا مُنْفَصِلًا . وَهَذَا هُوَ الْمُوَالَاةُ وَالتَّفْرِيقُ ; فَتُبَيِّنُ أَنَّ السَّلَامَ الْعَمْدَ إنَّمَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا سُنَّتُهُ الِاتِّصَالُ : لِأَجْلِ تَفْرِيقِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ وَكُلُّ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ فِعْلٍ أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ ; أَوْ تَعَمُّدِ كَلَامٍ وَتَرْكِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا - مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ مَعَ مُنَافَاتِهِ بِفَرْقِ بَيْنَ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ ; وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِكُلِّ مَا يُنَافِيهَا كَمَا يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ لَكِنَّ فُقَهَاءَ الْحَدِيثِ وَأَهْلَ الْحِجَازِ مَنَعُوا ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إلَّا بِالْمَشْرُوعِ ; وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِالْمَشْرُوعِ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْكَلَامَ فِي هَذَا أُمُورٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ مَنْ يُجَوِّزُ الْوِتْرَ بِثَلَاثِ مَفْصُولَةٍ - كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا - يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الَّتِي لَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ يَفْصِلُ بَيْنَ أَبْعَاضِهَا بِالسَّلَامِ الْعَمْدِ كَالْوِتْرِ وَالضُّحَى وَقِيَامِ رَمَضَانَ وَالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَاخْتِيَارُهُمْ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى : إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ أَحْمَد مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْفَصْلُ : كَالْوِتْرِ بِخَمْسِ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ فِيهَا مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلُهُ وَيَقُولُونَ : أَدْنَى الْوِتْرِ ثَلَاثٌ مَفْصُولَةٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَائِشَةَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ مِنْ اللَّيْلِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَفْصِلُ بَيْن كُلِّ رَكْعَتَيْنِ } فَسُمَّتْ الْجَمِيعُ وِتْرًا مَعَ الْفَصْلِ . وَقَدْ يُنَازِعُهُمْ فِي هَذَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ; إذْ الْمَسْنُونُ عِنْدَهُمْ فِي الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ الْوَصْلُ وَكَذَلِكَ فِي الْوِتْرِ بِثَلَاثِ وَكَذَلِكَ إذَا جَاءَ ذِكْرُ صَلَاةِ أَرْبَعٍ أَوْ ثَمَانٍ : يَجْعَلُونَهَا بِتَسْلِيمَةٍ . الثَّانِي : إذَا تَكَلَّمَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ سَهْوًا كَمَا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فَقَدْ عُلِمَ مَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ وَالْمُنَازِعُ يَقُولُ : هُوَ مَنْسُوخٌ كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد : كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَهُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ الْكَلَامَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ سَهْوًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُحْكَمٌ وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد فِي عَامَّةِ أَجْوِبَتِهِ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِهِ وَتَفَقَّهَ فِيهِ وَلَمْ يَتْرُكْ الْأَخْذَ بِهِ وَلَا قَالَ هُوَ مَنْسُوخٌ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَشْهُورَ بِرِوَايَتِهِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : وَذَكَرَ فِيهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ الصَّلَاةَ وَهُوَ إنَّمَا سَلَّمَ وَرَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى خَلْفَهُ مِنْ عَامِ خَيْبَرَ وَالْقَضِيَّةُ كَانَتْ فِي مَسْجِدِهِ وَذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ خَيْبَرَ بِيَقِينِ وَهَذَا يَقِينٌ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ ; فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ { ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْت عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْك فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ : إنَّ فِي الصَّلَاةِ شَغْلًا } . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَلَامَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ الَّذِي أَجْهَزَ عَلَى أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ قَبْلَ بَدْرٍ سَوَاءٌ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجَعَ مِنْ الْحَبَشَةِ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ هَاجَرَ أَوْ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ إلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ هَذَا قَدْ تُنُوزِعَ فِيهِ : فَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِمَكَّةَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ كَمَا فِي مُسْنَدِ أَبِي داود الطيالسي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُخُولِهِمْ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَفِي آخِرِهِ : فَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَادَرَ فَشَهِدَ بَدْرًا . وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْمُشْتَبِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يَقُولُهَا مَنْ يَقُولُهَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ : أَحَدُهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَطَائِفَةٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ - أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلَامِ وَظَنُّوا أَنَّ قَضِيَّتَهُ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالُوا : وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ { زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : إنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ } وَلَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ : وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ : { كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ } . وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مِنْ صِغَارِ الْأَنْصَارِ وَهُوَ صَاحِبُ الْإِذْنِ الَّذِي وَفَّى اللَّهُ بِإِذْنِهِ لَمَّا بَلَّغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ ابْنِ أبي مِنْ الْمُنَافِقِينَ ( { لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ } وَكَذَّبَهُ مَنْ كَذَّبَهُ وَلَامَهُ مَنْ لَامَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ : { يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ } فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { هَذَا الَّذِي وَفَّى اللَّهُ بِإِذْنِهِ } وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَذَكَرَ أَنَّ النَّسْخَ حَصَلَ بِآيَةِ الْمُحَافَظَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ بَلْ قَدْ يُقَالُ : إنَّهَا إنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ الْخَنْدَقِ لَمَّا شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى قَالَ : { مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ } - كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ - فَقَالَ هَؤُلَاءِ : إذَا كَانَتْ قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْكَلَامَ كَانَ قَدْ حُرِّمَ أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ بَعْدَ عَامِ الْخَنْدَقِ الَّتِي هِيَ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ : كَانَ مَنْسُوخًا . وَأَقْصَى مَا يُقَالُ : إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَهُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ حُجَّةٌ . وَنَجِدُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ - مِمَّنْ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِمْ - يَقُولُ : هَذَا مَنْسُوخٌ وَقَدْ اتَّخَذُوا هَذَا مِحْنَةً ; كُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُمْ يَقُولُونَ : هُوَ مَنْسُوخٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا يُثْبِتُوا مَا الَّذِي نَسَخَهُ . وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِالْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ - يَقُولُونَ : هَذَا مَنْسُوخٌ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ يَقُولُونَ : إنَّ وُجُودَ عِلْمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ دَلِيلُ نَسْخِهِ وَهَذَا كَثِيرٌ . وَمَا ذَكَرُوهُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ هُوَ مِنْ أَبْلَغِ مَا قَرَّرُوهُ وَادَّعَوْا أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الْخَنْدَقِ أَوْ نَحْوَهُ وَيَقُولُونَ فِي الْقُنُوتِ إنَّهُ مَنْسُوخٌ وَفِي دُعَائِهِ لِمُعَيَّنِ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ : إنَّهُ مَنْسُوخٌ وَإِنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ } حَتَّى يُبَالِغُوا فِيمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كَالتَّنْبِيهِ بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ .