تنسيق الخط:    (إخفاء التشكيل)
متن:
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَمَّا بَعْدُ فَهَذِهِ فُتْيَا أَفْتَى بِهَا الشِّيحُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تيمية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ نَحْوَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَنْكَرَهَا بَعْضُ النَّاسِ وَشَنَّعَ بِهَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ بَعْضِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَذُكِرَتْ بِعِبَارَاتِ شَنِيعَةٍ : فَفَهِمَ مِنْهَا جَمَاعَةٌ غَيْرَ مَا هِيَ عَلَيْهِ وَانْضَمَّ إلَى الْإِنْكَارِ وَالشَّنَاعَةِ وَتَغَيُّرِ الْأَلْفَاظِ أُمُورٌ أَوْجَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُكَاتَبَةَ السُّلْطَانِ - سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ بِمِصْرِ - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَجَمَعَ قُضَاةَ بَلَدِهِ ثُمَّ اقْتَضَى الرَّأْيُ حَبْسَهُ فَحُبِسَ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ بِكِتَابِ وَرَدَ سَابِعَ شَعْبَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ . وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَحْضُرْ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ بِمَجْلِسِ حُكْمٍ وَلَا وَقَفَ عَلَى خَطِّهِ الَّذِي أَنْكَرَ وَلَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءِ . فَكَتَبَ بَعْضُ الْغُرَبَاءِ مِنْ بَلَدِهِ هَذِهِ الْفُتْيَا وَأَوْقَفَ عَلَيْهَا بَعْضَ عُلَمَاءِ بَغْدَادَ فَكَتَبُوا عَلَيْهَا بَعْدَ تَأَمُّلِهَا وَقِرَاءَةِ أَلْفَاظِهَا . وَسُئِلَ بَعْضُ مَالِكِيَّةِ دِمَشْقَ عَنْهَا فَكَتَبُوا كَذَلِكَ . وَبَلَغَنَا أَنَّ بِمِصْرِ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا فَوَافَقَ . وَنَبْدَأُ الْآنَ بِذِكْرِ السُّؤَالِ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَغْدَادَ وَبِذِكْرِ الْفُتْيَا وَجَوَابِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا وَجَوَابِ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُ . وَهَذِهِ صُورَةُ السُّؤَالِ وَالْأَجْوِبَةِ . الْمَسْئُولُ مِنْ إنْعَامِ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْهُدَاةِ الْفُضَلَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَهُدَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ وَأَدَامَ بِهِمْ الْهِدَايَةَ : أَنْ يَنْعَمُوا وَيَتَأَمَّلُوا الْفَتْوَى وَجَوَابَهَا الْمُتَّصِلَ بِهَذَا السُّؤَالِ الْمَنْسُوخِ عَقِبَهُ وَصُورَةُ ذَلِكَ : مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ الْمُسْلِمِينَ : فِي رَجُلٍ نَوَى السَّفَرَ إلَى " زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ " مِثْلِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ . فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِي سَفَرِهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ ؟ وَهَلْ هَذِهِ الزِّيَارَةُ شَرْعِيَّةٌ أَمْ لَا ؟ ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } { وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي } وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } . أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ .
123
وَأَمَّا الْوُقُوفُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ . وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ : بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ خَاصَّةً وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ الدُّعَاءِ . وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا حِكَايَةٌ مَكْذُوبَةٌ تُرْوَى عَنْ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُ بِخِلَافِهَا .